العربية بين عز الماضي ، وذل الحاضر..

لقد خطَّت العربية لنفسها شهادةً تؤكد عبقريتها وقدرتها المتجددة على التطور، فقد كانت لغة الإبداع العربي قبل الإسلام، ولغة الإعجاز الإلهي بعد ظهوره، وقد استوعبت كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، واستوعبت حضارات مختلفة، وعلومًا شتى، حتى تنبأ لها غير العرب بالخلود “ولمَّا سُئل جول فرن عن سرِّ اختياره للغة العربية، قال: إنَّها لغة المستقبل، ولا شكَّ أنه يموت غيرها، وتبقى حية”[1].
وظلت العربية على مر العصور حافظة لكيانها، ولم تجرِ عليها عواملُ الفناء والانحلال كغيرها من اللغات، فما السرُّ في ذلك؟
لا شك أنَّ اصطفاء الله تعالى لها لتكون لغة أعظم الأديان قاطبةً يفسر جانبًا كبيرًا من هذا السرِّ، بيد أنَّ هناك عواملَ أخرى ضمِنتْ للعربية البقاء، وهذه العوامل تعود إلى سمات اللغة العربية نفسها، وربما هي التي أهَّلتْها لتكون لغة التنزيل، “وقد يُتبادَر للذهن مباشرة أنَّ العربية لم تمتْ لأنَّها لغة دين، وهذا صحيحٌ، لكن يبقى السؤال ملحًّا: لماذا ماتتْ الآراميةُ وهي لغة المسيح عليه السلام، وهي أيضًا لغة دين؟ إذ هي لغة الإنجيل وبها نزل، بل ولماذا تراجعتْ العبرية وهي لغة التلمود والتوراة؟”[2].
فهناك إذًا لغاتٌ ماتتْ رغم ارتباطها بدين، أو انحسرتْ في الطقوس الدينية فحسب، وهو ما لم يحدث للعربية، غير أنَّ تعليل بقاء العربية بكونها لغة القرآن أمرٌ قد لا يقنع به غير المسلمين، فما الذي تحمله العربية بين جوانبها ضمِن لها البقاء، وصانها من الموت أو الانحسار؟
لقد اجتمع للعربية من السمات ما لم يجتمع لغيرها من اللغات؛ وأبرزها:
♦ ثراءُ العربية وغِناها بالمفردات: فقد حوتْ معاجمها ملايين المفردات؛ مما حدا بعلمائها إلى إفراد مؤلفات خاصة بأسماء الشيء الواحد، مثلما ألف ابن خالَويه كتاب “أسماء الأسد”، و”أسماء الحية”، و”أسماء الريح”[3].
كما أنها أغنى الساميات من حيث الأصول؛ إذ تشتملُ على جميع الأصول التي تشتمل عليها أخواتها السامية أو على معظمها، وتزيد عليها بأصول كثيرة[4].
وحسبي أن أُشير كدليل على سعة العربية إلى أمرين:
أولهما: أن عدد الألفاظ المستعملة من اللغة العربية تبلغ خمسة ملايين وتسعة وتسعين ألفًا وأربعمائة لفظ، من جملة ستة ملايين ستمائة وتسعين ألفًا وأربعمائة لفظ.
ثانيهما: أنَّ معجم “لسان العرب” لابن منظور يحتوي على أكثر من سبعين ألف مادة لغوية، ورغم هذا فهو معجم متوسط إذا ما قِيس ببعض المعاجم المطوَّلة كتاج العروس للزبيدي.
♦ الثبات: فاللغة العربية تتسم بالثبات، وليس المقصود بالثبات أنها جامدة، لكنها في الحقيقة متطورة مرنة بشكل يجعلها صالحة لكل العصور، فهي تُجدِّد نفسها وفقًا لمتطلبات كل عصر.
♦ قدرة اللغة العربية على التطور الداخلي: ويُقصد بالتطور الداخلي: قدرتها على التطوُّر الذَّاتي في دلالات الأشياء، ولا يتحقق هذا التطور للغة ما إلا إذا أُتيحت لها وسائلُ التَّطوُّرِ؛ وهي المَجاز، والاشتقاق، والنحت، وغيرها.
♦ أنَّ اللغة العربية تعد أوفى اللغات وأكملها من حيث ألفاظها وقواعدها، ويؤكد هذا أنَّ العربية تستخدم جهاز النطق على أتمِّه وأحسنه؛ إذ لا تهمل وظيفة واحدة من وظائفه كما يحدث في أكثر اللغات[5].
غير أن هذا الصرح العظيم تصدع بأيدينا؛ إذ انحدرتِ اللغة إلى هُوَّةٍ لم تعهدها طوال تاريخها الطويل، حتى شعرنا أننا نستخدم لغة مغايرة.
وقد فُسِّر انحدارُ العربية في عصرنا بتعرضها لمؤامرات الغرب تارةً[6]، وبإهمال أهلها لها تارة أخرى، ومهما يكن من أسبابٍ أدتْ إلى هذا، فلن يُغير من الواقع شيئًا، فالواقع أن اللغة تعيش حالة من الانحدار والتدهور لا ينكره إلا غافل أو جاهل، وإن كنت أميل إلى أن الضعف الذي أصاب عربيتنا يرجع إلى عدة عوامل تضافرت فيما بينها فأوصلتها إلى هذه الحال، فإنْ كانتْ مؤامرات الأعداء أصابتها بالضعف، فإنَّ إهمال أهلها لها قد زادها ضعفًا، وشكَّل تراجع مكانة العرب مِعولَ هدم لمكانتها، فهل اللغة إلا انعكاس لأهلها يرتفع قدرها بصعودهم، وتتراجع منزلتها بهبوطهم؟
ومن الإنصاف أن نقرر أنَّ الضَّعف والانحدار قديم، فقد بدأ يتسرب إلى العربية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه شاع في العصر الأموي بعد دخول غير العرب الإسلام، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الضعف يسري في اللغة العربية، لكنه كان يختلف قلةً وكثرةً وفقًا لظروف كل عصر، ففي القرن السادس عشر الميلادي بدأت النهضة الأوربية الحديثة، وأذِنت شمس الحضارة الإسلامية العربية بالغروب[7]، وضعُف شأن العرب المسلمين، وتعرضتْ بلادهم للهجمات الاستعمارية الأوروبية التي وضعت نُصب أعينها تمزيق وحدة الأمة؛ فوجَّهت سهامها إلى هدم وحدة الدين واللغة.
ورغم المحاولات المبكرة[8] لإنقاذ العربية، كانت موجة الضعف والانحدار أقوى أثرًا، حتى أصبحنا نرى مظاهر هذا الضعف جليَّةً، فلا يحتاج الناظر في لغتنا كبير جهدٍ حتى يتبين أثرها.
♦ وأُولى تلك المظاهر: أننا هجرنا لغتنا الفصحى، ومِلْنا إلى اللهجات العامية التي بعدت بنا عن أصل العربية، بل بعدتْ بعض اللهجات عن بعضها البعض؛ حتى صار بعض العرب يفهم البعض الآخر بشيء من المعاناة، وأخشى أن يأتي يوم يحتاج فيه المصري إلى وسيط أو مترجم حتى يفهم لهجة أهل المغرب العربي، أو يحتاج المغربي من يترجم له لهجة أهل العراق، أو يحتاج كلاهما إلى من يترجم له لهجة أهل الشام، ولا عجب في ذلك؛ فالفجوة بين اللهجات تتسع يومًا بعد يوم.
♦ وانظر إلى الإعلام بشتى صوره: المرئي، والمسموع، والمقروء، ترَ أنَّه وجد في العامية مأربه، فانشغل بها عن الفصحى، فضلًا عن استخدامه لألفاظ أعجمية وعبارات ركيكة، وربما هرب الإعلامي ضحْل الثقافة الذي يجهل قواعد العربية إلى العامية ليس حبًّا فيها، بل لأنَّه لا يملك من مفردات اللغة الفصحى وتراكيبها ما يُمكِّنه من التعبير عما يريد فاختار لنفسه الأيسر.
♦ وأصبحت العامية تجتاح مدارسنا وجامعاتنا، فلا يثير دهشتك أن تجد دروس العلم في المدارس والجامعات تُلقَى باللغة العامية العارية من أقل قواعد النحو، بل هي كذلك لغة الحوار والنقاش بين الطلاب ومعلميهم، وبين المعلمين بعضهم البعض، تجد هذا الهجر للفصحى في الوقت الذي يحثُّ الآباء والمعلمون أبناءهم على الاهتمام باللغة الإنجليزية؛ لأنَّها لغة المستقبل، ووسيلة الحصول على فرصٍ للعمل.
كما صارت الإنجليزية لغة الدراسة في الجامعات، وخاصة الأقسام العلمية منها كالطب، والهندسة، زاعمين قصور العربية عن استيعاب تلك العلوم، ومواصلة البحث فيها، وفي اتساع العربية لكلام الله تعالى، واستيعابها لمختلف العلوم والثقافات، وعدم ذوبانها في لغات البلاد التي فتحها المسلمون خلال عهودهم الزاهرة أبلغ ردٍّ على تلك التهم الباطلة.
أضِفْ إلى كل هذا ما يمكن تسميته فوضى التسمية، فَسِرْ في أحد شوارع بلدك، ثم انظر حولك لترى هذا السيل الجارف من أسماء المحال التجارية، والمطاعم، والمقاهي وغيرها، كلها كُتبت بأسماء غير عربية.
هذا ما وصلت إليه العربية اليوم، فهل ضعفت عربيتنا حقًّا أو ضعف مَن يتحدثون بها؟ ألم يأنِ للغيورين أن يتحركوا لإنقاذ العربية؟

[1] القياس في اللغة العربية، محمد الخضر حسين، المطبعة السلفية، عام 1353هـ، ص: 12.
[2] منزلة العربية بين اللغات المعاصرة، دراسة تقابلية، عبدالحميد الطيب عمر، رسالة دكتوراه، كلية الدراسات العليا، جامعة أم درمان، عام 1431هـ – 2010م، ص: 2.
[3]انظر ابن خالويه وجهوده في اللغة، مع تحقيق كتابه: شرح مقصورة ابن دُريد، دراسة وتحقيق محمود جاسم محمد، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى، عام 1407هـ – 1986م، ص: 33 وما بعدها.
[4] انظر: فقه اللغة، دكتور عليُّ عبدالواحد، دار النهضة، الطبعة الثالثة عام 2004م، ص: 129.
[5] انظر: أشتات مجتمعات في اللغة والأدب، عباس محمود العقاد، دار المعارف، القاهرة، الطبعة: السادسة، ص: 11.
[6] انظر: كتاب المؤامرة الغربية على اللغة العربية، لأبي النصر محمد بن عبدالله الإمام، مكتبة الإمام الألباني، صنعاء، الطبعة الأولى، عام 1430هـ – 2009م، ص: 17 وما بعدها.
[7] انظر: منزلة اللغة العربية بين اللغات المعاصرة، دراسة تقابلية، رسالة دكتوراه، عبدالمجيد الطيب عمر، جامعة أم درمان، كلية الدراسات العليا، عام 1431هـ – 2010م، ص: 45.
[8] بدأت المحاولات بكتاب: “ما تلحن فيه العامة” للكسائي (المتوفى: 189هـ)، ثم تلته محاولات أخرى.
Exit mobile version