غزة: شبح المجاعة يهدد مستقبل الطلاب

في قطاع غزة الذي مزقته الحرب المستمرة، يواجه الطلاب تحديًا وجوديًا يتجاوز ويلات القصف والنزوح: شبح المجاعة. هذه الأزمة الإنسانية الحادة، التي تفاقمت نتيجة الحصار وإغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات، تدفع الشباب الفلسطيني إلى حافة اليأس، وتترك آثارًا مدمرة على صحتهم وقدرتهم على التعلم.

الطالبة مرح الفاضي (18 عامًا) تجسد هذا الواقع المأساوي. تقول وقد خارت قواها وفقدت تركيزها: “أشعر بأن جسدي يأكل بعضه، وخلال شهر فقدت 4 كيلوغرامات من وزني، وكلما أمسكت بالكتاب للدراسة أشعر بدوخة ودوران”. قبل الحصار، كانت مرح تدرس بمعدل 5 ساعات يوميًا، لكنها اليوم بالكاد تقوى على حمل الكتاب، متسائلة بمرارة عن قيمة الدراسة في ظل التهديد المستمر بالموت جوعًا أو قصفًا.

تعيش مرح مع أسرتها المكونة من سبعة أفراد في منزلهم المدمر جزئيًا في خان يونس. حالهم كحال غالبية سكان غزة، يعانون من نقص حاد في الغذاء. يقتصر طعامهم غالبًا على وجبة واحدة يوميًا من الأرز أو العدس، بينما انقطع الدقيق لصناعة الخبز منذ شهرين، مع ارتفاع جنوني في أسعاره الذي تجاوز قدرة معظم العائلات التي أنهكتها الحرب وفقدت مصادر رزقها.

تدهورت الحالة الصحية لوالدة مرح نتيجة سوء التغذية، بينما يعاني شقيقها الصغير زين (ثلاثة أعوام ونصف) من ضعف النمو الحاد بسبب نقص الغذاء، ولا تتوفر له المكملات الغذائية اللازمة في المستشفيات والمراكز الصحية. تشاهد مرح حسرة والديها على بكاء زين المتواصل الذي تعلم كلماته الأولى في الحرب، وأكثر ما يردده: “بدي آكل أنا جعان”.

هذه هي الظروف القاسية التي تحيط بمرح قبل أسابيع قليلة من امتحانات الثانوية العامة. تتساءل بيأس: “كيف لي أن أركز في دراستي مع قرصات الجوع، وشعوري بحرقة المعدة، حيث لا طعام ولا شراب، والأسعار مثل النار؟”. تضيف: “يكاد عقلي يتوقف عن التفكير، كنت طالبة متفوقة، والآن أشعر بفقدان الشغف، ويسيطر علي اليأس، وأتحسس الموت يقترب مني”. حتى كتبها لم تسلم من قسوة الظروف، حيث استخدمتها وقودًا للنار في ظل أزمة غاز الطهي، بينما تلاشت أحلامها بدراسة الطب مع احتراق الأوراق.

قصة فتحي رائد الحج أحمد (17 عامًا) لا تختلف كثيرًا. نزح مع أسرته المكونة من تسعة أفراد من رفح إلى خيمة في خان يونس. يقول: “نصيب كل شخص في الأسرة رغيف واحد نأكله على وجبتين في اليوم”. تعتمد الأسرة كليًا على ما تقدمه التكايا الخيرية القليلة المتبقية، والتي تعمل بأقل طاقتها بعد إغلاق معظم المطابخ المجتمعية لعدم توفر الغذاء. وإذا لم يحالفهم الحظ، فإنهم يمضون يومهم صائمين. انعكس هذا الواقع المرير على قدرة فتحي على الدراسة، حيث انخفض وزنه بشكل ملحوظ وفقد القدرة على التركيز، وتراجعت ساعات دراسته اليومية من تسع ساعات إلى أقل من ثلاث.

الأطفال هم الأكثر تضررًا من هذه المجاعة. اضطرت أسرة الطفل وليد راضي المريدي (تسعة أعوام) إلى نقله إلى المستشفى بسبب سوء التغذية، وحصل على مكملات غذائية لمرة واحدة قبل أن تنقطع. تعيش الأسرة النازحة في خيمة بخان يونس، ولا يأكلون إلا ما يحصلون عليه من التكية بكميات قليلة لا تكفي.

حتى المؤسسات التعليمية البديلة، مثل “روضة ومدرسة أحلام غزة النموذجية” المقامة في الخيام، لم تسلم من تأثير المجاعة. تراجعت أعداد الطلاب بشكل كبير، وأصبح الغالبية العظمى منهم يأتون إلى المدرسة جوعى، مما أثر بشكل مباشر على قدرتهم على التحصيل العلمي وفقدان التركيز، وهو الحال نفسه بالنسبة للمعلمات المتطوعات اللواتي يعانين من سوء التغذية.

يؤكد الدكتور يونس عوض الله، اختصاصي الصحة والتغذية، أن الجوع يترك آثارًا مدمرة على الوظائف الحيوية لجسم الإنسان، ويفسر فقدان الطلبة للتركيز اللازم للدراسة. ويضيف أن المجاعة الشديدة تؤدي إلى فقد الاتزان والتركيز وعدم السيطرة، وقد تتسبب في العصبية الشديدة واضطراب السلوك، وحتى الوفاة.

بينما يستعد طلاب غزة لخوض امتحانات الثانوية العامة، يواجهون عدوًا أشرس من صعوبة المناهج الدراسية: شبح المجاعة الذي ينهش أجسادهم وعقولهم، ويهدد مستقبلهم وحقهم الأساسي في التعليم والحياة الكريمة.

Exit mobile version