مصر تطلق الجيل الثاني لمنظومة الري: رؤية متكاملة لتحقيق الاستدامة المائية والغذائية.

افتتح الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، مؤتمرًا هامًا تحت عنوان “الترابط بين المياه والغذاء والطاقة والنظم البيئية WEFE NEXUS في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، والذي يهدف إلى استكشاف وتفعيل هذا الترابط لتحقيق مستقبل مستدام. يأتي هذا الحدث الرفيع المستوى في إطار مشروع SURENEXUS، الممول من مبادرة PRIMA التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي تدعم الأبحاث العلمية التطبيقية في قطاعات المياه والطاقة والغذاء في 19 دولة أوروبية ومتوسطية. يشارك في المشروع نخبة من المؤسسات البحثية والأكاديمية، بما في ذلك كرسي اليونسكو للاستدامة بجامعة بوليتكنيكا كاتالونيا، ومركز المحروسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجامعة المستقبل في مصر، والمعهد الوطني للبحث الزراعي بالمغرب.
أكد الدكتور سويلم في كلمته الافتتاحية على الأهمية القصوى للبحث العلمي ودوره المحوري في مواجهة التحديات العالمية في قطاعي المياه والغذاء. وأشار إلى أن وزارة الري تشهد حاليًا مرحلة تحول نوعي نحو الجيل الثاني لمنظومة الري في مصر (الري 2.0)، حيث يمثل تحقيق الترابط بين المياه والغذاء والطاقة والنظم البيئية أحد أبرز أهداف هذه المنظومة المتطورة.
وقام الوزير باستعراض شامل لأهم ملامح ومحاور الجيل الثاني لمنظومة الري في مصر 2.0، مستهلاً حديثه بتوضيح الوضع المائي الراهن. أوضح أن الاحتياجات المائية السنوية لمصر تبلغ حوالي 114 مليار متر مكعب، بينما تقدر الموارد المائية المتاحة بنحو 60 مليار متر مكعب، مع إعادة استخدام حوالي 21 مليار متر مكعب سنويًا واستيراد محاصيل زراعية تستهلك مائيًا ما يقدر بنحو 33.50 مليار متر مكعب سنويًا. وأشار إلى التراجع المستمر في نصيب الفرد من المياه ليصل إلى حوالي 500 متر مكعب سنويًا، وهو ما استدعى تبني الوزارة للعديد من المشروعات الكبرى والسياسات والإجراءات الطموحة التي تندرج تحت مظلة الري 2.0.
وأكد الدكتور سويلم أن الجيل الثاني لمنظومة الري يعتمد بشكل أساسي على التكنولوجيا الحديثة والبحث العلمي لتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة، بالتوازي مع تطوير قدرات الكوادر العاملة في إدارة المنظومة المائية ورفع الوعي المائي لدى المواطنين. وتتضمن منظومة الري 2.0 تسعة محاور رئيسية متكاملة:
معالجة المياه والتحلية للإنتاج الكثيف للغذاء: التوسع في إعادة استخدام ومعالجة مياه الصرف الزراعي من خلال مشروعات كبرى مثل الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة، بطاقة إجمالية تصل إلى 4.80 مليار متر مكعب سنويًا. بالإضافة إلى التوجه نحو التحلية كحل مستقبلي للإنتاج الغذائي المكثف، مع التركيز على الاستفادة المثلى من الطاقة الشمسية والمياه المالحة والأراضي الرملية، ومواصلة الأبحاث لخفض تكلفة التحلية واستخدام المياه المحلاة بكفاءة عالية في الزراعة وتربية الأحياء المائية بتقنيات مبتكرة مثل “الأكوابونيك” واستخدام المياه شديدة الملوحة في تربية الروبيان والطحالب.
التحول الرقمي: سد النقص في الكوادر البشرية، تحقيق الشفافية ومكافحة الفساد، وتوفير البيانات الدقيقة لمتخذي القرار من خلال رقمنة بيانات الترع والمصارف والمنشآت المائية وإنشاء قواعد بيانات متكاملة وتطبيقات ذكية يستخدمها المزارعون للتعرف على مواعيد المناوبات. وقد تم تصميم 27 تطبيقًا متنوعًا حتى الآن بواسطة مركز المعلومات الرئيسي بالوزارة.
الإدارة الذكية: الاعتماد على نماذج التنبؤ بالأمطار، وحساب زمامات المحاصيل الزراعية باستخدام صور الأقمار الصناعية، ومتابعة الآبار الجوفية، واستخدام التصوير بالدرون لمراقبة عناصر المنظومة المائية والتركيب المحصولي، وتطبيق نماذج شبكات الترع لتحسين التشغيل والتخطيط، والاعتماد على برامج “تعلم الآلة” لتقدير مناسيب المياه، واستخدام منصة Digital Earth Africa في متابعة أعمال حماية الشواطئ المصرية. ويجري حاليًا تنفيذ مشروع “تحديث الموارد المائية للزراعة في مصر” بالتعاون مع إسبانيا.
تأهيل المنشآت المائية والترع: دراسة استخدام المواد الصديقة للبيئة في تأهيل الترع، وتطوير منظومة المراقبة والتشغيل بالسد العالي، والبدء في مشروع شامل لتأهيل وإحلال المنشآت المائية، حيث تم تأهيل ما يقرب من 1200 بوابة خلال الفترة من يوليو 2023 حتى يناير 2025، وتنفيذ مشروعات إحلال وتأهيل وصيانة المنشآت المائية الكبرى مثل قناطر ديروط، وتنفيذ مصبات نهاية للترع.
التكيف مع تغير المناخ: تنفيذ مشروعات كبرى لحماية الشواطئ المصرية في المواقع الأكثر تضررًا باستخدام الطرق التقليدية والمواد الطبيعية الصديقة للبيئة ضمن مشروع “تعزيز التكيف مع التغيرات المناخية بالساحل الشمالي ودلتا نهر النيل”. بالإضافة إلى تنفيذ 1631 منشأ للحماية من أخطار السيول في مختلف المحافظات المعرضة لها، وتأهيل وصيانة محطات الرفع للمحافظة على المناسيب الآمنة في الترع والمصارف خلال النوات والأمطار الغزيرة، والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية في رفع المياه كبديل للديزل لتقليل الانبعاثات الكربونية.
الحوكمة: التوسع في تشكيل روابط مستخدمي المياه، والتي بلغ عددها حاليًا 6474 رابطة، مع انتخاب قيادات على مختلف المستويات وصولًا لانتخاب مجلس إدارة لاتحاد الروابط على مستوى الجمهورية. كما تقوم الوزارة بحصر ونشر الممارسات الزراعية الناجحة لتشجيع المزارعين على تبنيها.
تطوير الموارد البشرية: العمل على سد الفجوات الوظيفية، وتدريب وبناء قدرات العاملين بالوزارة في مجالات مبتكرة مثل الاستفادة من نبات ورد النيل المجفف في تصنيع منتجات يدوية صديقة للبيئة.
التوعية: من خلال إدارات التوجيه المائي والتواصل المباشر مع المزارعين، وعبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وإطلاق حملة توعوية بعنوان “على القد” لترشيد استهلاك المياه والحفاظ عليها، وتنظيم ندوات توعوية مبتكرة تناسب مختلف الفئات العمرية.
العمل الخارجي: قيادة مصر لمسار ناجح لرفع مكانة المياه ووضعها على رأس أجندة العمل المناخي العالمي من خلال أسابيع القاهرة للمياه ومؤتمرات المناخ ومؤتمر الأمم المتحدة للمياه والمنتدى العالمي العاشر للمياه، بالإضافة إلى الجهود المصرية البارزة لخدمة القارة الأفريقية خلال رئاسة مصر لمجلس وزراء المياه الأفارقة (الأمكاو)، وإطلاق مبادرة AWARe لدعم الدول الأفريقية في مجال المياه والتكيف مع تغير المناخ.
يمثل إطلاق الجيل الثاني لمنظومة الري في مصر رؤية شاملة ومتكاملة تهدف إلى تحقيق الاستدامة المائية والغذائية من خلال تبني أحدث التقنيات والحلول المبتكرة، وتعزيز التعاون بين مختلف القطاعات، ورفع الوعي بأهمية الحفاظ على هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.



