ممنوعات2 (تابع): لمن تُجاهِدُ الدعاءَ على أبنائِها …

فن الكتابة في الصفحة البيضاء

كان تاجرًا.. يَكسِبُ أحيانًا ويَخسَرُ أحايِين.. ففكرَ يومًا: تجارةُ البشرِ هباءٌ.. سأتاجِرُ مع الله.. وخرج من بلدِه وبنَى لنفسِه صومعةً تًعزِلُه عن الناسِ، يَصعدُ إليها بحبلٍ ثم يسحبُه خلفَه لئلا يَصعدَ إليهِ أحدٌ ويُزعِجَه..
كان عابدًا دؤوبًا خاشعًا..
وفي يومٍ كان يتعبدُ في مِحرابِه، أتتْ أمُه أسفلَ الصومعةِ تنادِيه.. انتظَرَتْ طويلاً وهي تَحجُبُ لَفْحَ الشمسِ بكفيها عن عينيها وهما معلقتانِ ببابِ الصومعةِ عساهُ يَنفَتِحَ، ولكن لا مجيبَ.. وضِيقُها وتألُمُها من الوَقفَةِ يزداد..
بينما ولدُها يَسمعُ صوتها أثناء صلاتِه ويتساءَلُ: أردُ على أمي؟ أم أُكمِلُ صلاتي؟.. تردد طويلا ثم حسَمَ أمرَه واختارَ صلاتَه وتركَ أمَه تنادي.. فانصرفَتْ…
أتتْهُ في الغَدِ مُجددًا، وتَكرَّرَ نفسُ المَشهدِ بنفسِ أنفاسِ الألَم، وانصرفَتْ بنفسِ مرارةِ وقسوةِ اللامبالاة..
ثم يومٌ ثالثٌ…
ويتكررُ نفسُ الخُذلانِ ثانيةً…
لكنِ اليومَ.. لم تنصرِفْ أمُ جُرَيجٍ بخيبةِ رجائِها، بل رفعَتْ شكواها إلى اللهِ وكفَيها إلَى السماءِ بالدعاءِ عليه “اللهم لا تُمِتْهُ حتى يَرَى وُجوهَ المُومِسات”….
وهُنَّ البغايا اللاتِي تتكسَّبْنَ مِن فِعلِ الفاحشة.. وأُمُهُ تَعرِفُ مدى تقواه وكَراهتِه حتى لرؤيةِ أهلِ الفسق والفجور، فعلمَتْ أين مَوضِعُ الألَم..
للأسف غَلَبَتْ فطرةُ الثأرِ للنفسِ بداخلِها على فِطرة الأمومةِ فأرادتْ أن تُذِيقَهُ الألَمَ كما أذاقها إياه.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..

أما وَجَدتَّ يا جُرَيجَ وقتًا حتى بعد فراغك من عبادتك كي تذهَبَ لبلدِك، منذُ أولِ مرةٍ انصرفَتْ فيها أمُك مِن عِندِك لتُغِيثَها؟ ألستَ تأكلُ وتَشرَبُ وتنام؟ ألم تفكرُ في انكسارِ خاطرِها وحاجَتِها وافتقارِها إليكَ ثلاثةَ أيامٍ متوالِيات؟ بل كيف ارتحَلْتَ مِن بلدٍ فيها أمُكَ مِن الأصلِ تاركًا إياها ومُغَلِّباً عليها الخلوةَ بربِك؟ بل كيف استمَعْتَ دعاءَها عليكَ ثم لم ترتَعِدْ وتهرَعْ إلى قدمَيها تَطلُبُ الصفحَ قُربَةً لربِك؟ لعلك قلتَ لنفسِك: “كيفَ لعابِدٍ مِثلي مُنعَزِلٍ في صومعتِه أن يرَى المومسات!” فاطمأنَنْتَ؟..
لكن يا جُرَيج… إن ربَكَ المعبودَ على كلِ شيئٍ قدير..

في يومٍ… جاءتْ سيرةُ جُرَيجٍ بين فاسِقِين، وتكلمُوا كيفَ هِمَّتُهُ في العبادةِ وزُهدُه في الدنيا.. وكانت إحدَى بغايا بني إسرائيلَ تَستَمِعُ.. فتَحَدَّتْهُم أن تُراودَه عن نفسِهِ، وكانت شديدةَ الجَمال.. وبالفعلِ ذهبَت قُربَ صَومعتِه، وصارت تتعرَّضُ له لتفتِنَه، لكنه العابدُ الزاهدُ التقيُّ لا يُبالِي بها.. فلجأَتْ لحيلةٍ أخرى..
مَرَّ راعٍ واستظلَّ بالصومَعة، فراودَتْهُ عن نفسِهِ وأغوَتْهُ والعياذُ بالله، وحَمَلَتْ في بطنِها ولدًا مِنه.. ثم صارتْ تمشي في الناسِ قائلةً “ابنُ جُرَيجٍ في بَطني”!!
انتظرَ الناسُ حتى وَضَعَتْ، وذهبوا بالفؤوسِ إلى صومعةِ جُريجٍ يَبغُونَ شرًا بالفاسِقِ المنافقِ الكذابِ كما زعموا، وبدأُوا في تحطيمِها وهم يَسُبُّونَهُ وهو بداخلِها يُصَلِّي نافلتَه.. فخرج إليهم ليفهم..!
آلآن يا جُرَيجَ خرجْتَ! أوَتَستَطِيعُ الخُروجَ مِن الصومعةِ أثناءَ صلاتِكَ يا جُرَيج! أوَحِينَ شَعُرْتَ بالخطرِ على نفسِكَ خَرَجْتَ! وخَطَرُ انكسارِ قلبِ أمكِ بثلاثِ خيباتٍ متتالياتٍ مِنكَ، ألا قيمةَ له لديك….؟
لم يَكَدْ ينزلُ حتى أخذوه وأوثَقوه بالحبالِ وجرُّوه إلى ملكِ القريةِ ليُحاسبَه..
من الملكُ؟ أبو البَغِيِّ ذاتِها..!
كم مِن طوامٍّ لبني إسرائيل، فحدَّثْ ولا حَرَج.. وكيف أن الدَرسَ مُؤلِمٌ يا جُرَيج!
وتَزاحَمَ الناسُ على الرَّكبِ في الطريقِ..
ومن بين الحشودِ مَن؟..
المومساتُ…!
وحين رآهم، تذكرَ دعوةَ أمِه عليه..
كم كنتَ تحتاجُ لهذا الدرسِ المؤلمِ يا جُرَيج..

ولكنَّ اللهَ الرحيمَ لا يَذَرُ أولياءَه العابِدينَ المُتقِين، خاصةً بعدَ إدراكِهم أنهم كانوا خاطئين.. ابتلاه بدعوةِ أمِه لعقوقِه، ثم أنجاهُ وأظهرَ براءتَه، بكراماتِه لأوليائِه الصالحين، فأنطَقَ الرضيعَ بالحَقِّ..
وذُهِلَ القومُ وطفِقُوا يَعتذرون إليه ويَعِدُونَهُ ببناءِ صومعةٍ جديدةٍ مِن ذهب..
فأبى واكتفَى فقط بإعادتِهم إياها بالطِين..

الدرسُ لنا جميعًا لا جُريجَ وحدِه وأمِه..
لا تظنَّ أنكَ بصلاحِكَ، بَعيدٌ عن الابتلاءِ بدعوةِ أمِكَ إن عَقَقْتَها..
ولا تظنِّي أن دعوتَكِ على ولدِكِ عِندَ خَطَئِه، تَمُرُّ بسلام..
إلا أن يرحمَكما اللهُ..

وليسَتِ القصةَ الوحيدةَ..
فأُمٌ قالت لولدِها “قُصِمَ ظَهرُك”.. فعادَ للبيتٍ مَحمُولًا في الجبائِر..
وأخرَى قالت لابنتِها “سَمَّمَ اللهُ بدنَكِ وأحرَقَ دَمَكِ”.. كَبُرَتْ ومَرِضَتْ بالسُكَرِ والسَرَطانِ..
وثالثةٌ قالت لابنِها “يَنتَقِمُ اللهُ مِنكَ”.. فخَرِبَ بيتُه وطَلَقَ زوجتَه وحُرِم العيش مع ابنتِه وتضاعفَتْ دُيونُه..

كلهن استعمَلن سلاحَ الدعاءِ في لحظاتٍ كان أبناؤُهم بالفعلِ أهلًا للدعاءِ عليهم بعقوقِهم… فاستجابَ ربُك، وما رَبُكَ بظلامٍ للعبيد..
فهل تُحِبين أن تنضمي لهؤلاء…..؟

إذًا…
من لازالَ لسانُها يَفلِتُ بالدعاءِ على أولادِها، فالحلُ -بعدَ الندمِ وكثرةِ الحوقلةِ وإخلاصِ القَصدِ للهِ والدعاءِ للنفسِ بالهُدَى والتُقَى والحِلمِ واللينِ مع الأولاد- هو استحضارُ وتفعيلُ سِتِ قواعِدَ، يُعِينُ بعضُها على بعض:

1-الأولى: “فاعتبِروا يا أُولِي الأبصَار”..
استحضارُ قصة جُرَيج وأمثالها كلَ مَرة.. وكأنَّ ولدُكِ ماثلٌ بجراحِ بَدَنِه وقَلبِه أمامَ الناسِ يقولُ “أصابَتْني دعوةُ أُمّي”..
تُطِيقين…؟
2-الثانية: “إنَّما فاطمةُ بِضعةٌ مِني، يُؤذِينِي ما آذاها.. ويُنْصِبُنِي ما أنْصَبَها -أي يُتعِبُنِي ما أتعَبَها”..
فلا تؤذِي عاقِلةٌ نفسَها، بل تُرَمِّمُها بالدعاء..
فالحلُ هنا: الاعتقادً الجازمُ كلَ مرةٍ أنكِ تَدعِينَ على عُضوٍ من جوارِحِكِ، قِطعَةٌ من نفسِكِ.. أتقولين “اللهم اكسِر لِي ذراعي المُتَوَرّمَ؟”/ أو “أعمِ لي عَينِي المُلتَهِبَةَ؟”/ أو “خُذْ اصبَعِي المُؤلِمَ؟”…
تستطيعين الدعاءَ على قِطعةٍ مِنكِ بالذُلِ والحَرقِ والكَسرِ….؟
كذلك أولادُكِ..
اجتهدِي كلما استبدَّ بِكِ الغضبُ وتطايرَتْ أمامَ عينِكِ الجُمَلِ الانتقامِيةِ، أن تستبدلي صياغتَها بدعواتٍ لهم أو لنفسِكِ، حتى وإن لَفَظتِها بَغَضبٍ وغَيظٍ وصِياحٍ مُستَطِير، فلا شكَ أهونُ مِن سهامِ دعائِكِ عليهم…
حتى تَملِكي زِمامَ نفسِكِ رُويْدًا بحولِ الله..
فاستَبدِلِي “هَدَّكَ اللهُ!”.. بـ”هداكَ اللهُ”…
و”اللهم العَنْهُ” بـ”اللهم صَبِّرنِي”..

قولي اللهم اهدِ قلبي الذي يُشقِينِي، واشفِ عينِي التي تُلهِبُني، واجبُر ذراعي الذي يؤلمني.. واهدِ ولدي الذي يُتعِبني… كلُهم بِضعَةٌ مِني…

قولي أسألُ اللهَ يا بُنَيَّ يا سببَ وَجِعِ قلبِي وانكسارِ نفسِي وسيلانِ عَينِي، ألَّا يُذِيقَكَ ذلكَ مع أبنائِك، ويَجبُرَني بهدايتِك.. فكلُ أمَلي أن يَنصَلِحَ حالُ الأمةِ بكَ وبذريتكَ وأن يأجرَنِي ربي على الصبرِ الجميل..

فأصلحي اعوِجاجَ وَلدَكِ، بالدعاءِ لَه لا عَليه..
3-الثالثة: “أمسِكْ عليكَ لسانَك..”
فإن لم تتمكنِي مِن تبديلِ الدعاء عليه بدعاءٍ له، فألجِمِي لسانَكِ بالصمتِ أو الذِكْر.. خاصةً الاستعاذةُ، فإنها تُعِينُكِ على الاثنتَينِ فتكونين من المُتقين: {إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ إِذَا مَسَّهُمۡ طَـٰۤىِٕفࣱ مِّنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ.}كذلكَ لأجلِ تقديمِ قدوةٍ عمليةٍ له في تلكَ القاعدةِ النبويةِ في كافَّةِ الحياةِ، وليسَ فقط كلامًا نظريًا ولدُكِ يراكِ بنفسِهِ أعجَزَ الناسِ عن تَطبيقِه…
فجاهدي ولا تقولي لا أستطيع..
لماذا تستطيعين إمساكَ لسانكِ عن أمكِ وزوجِكِ ومديريكِ في العملِ؟
لأنكِ روضتِ نفسَكِ بقناعاتٍ ودوافعَ مُعَيَّنَةٍ مَنَعَتْكِ من التجاوزِ معَهم..
وأرجو ألَّا يكونَ المانعَ عنهم فقط هو استِسهالُكِ لقَهرِ الضعيفِ واستثقالُكِ لمجابهةِ القَوِيّ، فإن رَسولَكّ قد حَرَّجَ علينا حقَّ الضعفاءِ… فراجعي قلبك..

4-الرابعة: “إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتَفَعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له”
-أتدعينَ بالخرابِ علَى الياسَمِينَةِ التي تَسقِينِها وتُنَمِّينَها لتَنشُرَ شَذَى أعمالِكِ الصالحةِ والدعاءِ لكِ في السماءِ والأرضِ، بعدَ انقطاعِ شذاكِ من الدنيا؟
-أتطلبين الهلاكَ لمشروعِكِ الذِي أفنيتِ عليه صحتكِ وشبابِكِ وكل ما تملكين وادَّخَرتِه ليومٍ عَصيب،
(( {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} ))؟
—-

5-الخامسة: { {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} }..
أي: ليسَ لكَ من أمرِ النَّاسِ شيءٌ، فأمْرُهم إلى اللهِ وَحْدَه يَرحَمُ مَن يَشاءُ، ويُعذِّبُ مَن يَشاءُ..  نزلت حين كان النبيُ ﷺ يدعو على مُشركين بالاسم، في قنوتِه بالفَجر..
فعلمَ ﷺ أنَّ اللهَ قدْ يَهْدي هؤلاءِ للإسْلامِ، وهو ما حدَثَ فعلا وأسْلَموا..
فلا نيأسْ من هِدايةِ أحَد… بالذات، مَن لازالوا يَتَعَلمونَ الحياة..

 6-السادسة: الوقايةُ النبويةُ= “أنِّي اشترطْتُ على ربِّي…”
والتي فصَّلناها سابقًا..
فاشترِطِي على ربِكِ مِثلَه ﷺ،
أن يجعلَ أيَّ دعوةٍ يَفلِتُ بها لسانُكِ على أبنائِكِ، زَكاةً لهم وقُربَةً عِندَ ربهم…
بشرط:
تكون فلتاتُكِ نادرةً -كفلتاتِهِ ﷺ- مع مُجاهدتِكِ لنفسِكِ فيها..
فتلك الهدية تُرجَى ثَمَرَتُها لمن تَصُونُ لسانّها ولكنْ لازالتْ تَزِلُّ في مُقاومةِ الفَلتات، وليستْ لمن تُصِرُّ على الدعاءِ على أبنائِها وتتهاوَنُ، دونَ محاولاتٍ للتوبةِ والمراجعةِ..
—-

وبعدما أنهينا الممنوعَ الثانِي ومتعلقاتِه، يأتي الممنوعُ الثالثُ: “أبدًا ما شَتَمتُكَ”..
في المقالةِ القادمةِ بإذنِ الله..

Exit mobile version