ممنوعات3: أبدًا ما شتمتُك..

فن الكتابة في الصفحة البيضاء...

نسمعُ أمهاتٍ تقولُ لولدِها غَضبًا: يا تَيْس ألا تنظر أمامك! يا غَبِي كسرت الكوب! أين الورقةُ يا كلب؟ هل ستسمَعُ الكلامَ أم ستشلُني كعادتك يا عملي الأسوَد! ألديكَ مخٌ مثلَنا أم أن تحتَ فروة الخروفِ هذِهِ قَديدٌ مُنتَهي الصلاحية! مالكَ تُشبِهُ البقرةَ العَرجاءَ في مِشيتِك! لماذا تتباطأُ يا بارد لعنكَ اللهُ!..
أيُعقَلُ أن هذه أمٌ وهذا فَلذَةُ كبِدِها؟
تلعنه وتسبه وتدعو عليه لأنه مثلًا تباطأ عنها…؟
ألم تعلم أن أم الدرداء سمعت الخليفة عبد الملك بن مروان يوما يلعن خادمه حين تباطأ عليه بعدما ناداه، فوعظته وحذرته قائلة له: أن أبا الدرداء أخبرها أن النبي ﷺ قال: ” «لاَ يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» “..؟
فكيف لو كان لعانًا…؟ وكيف لو كان الملعونُ ابنًا من صلبِه وليس خادمًا….؟
أنَسِيَتِ أن سِبابَ المسلمِ فُسوق؟
أما علمتِ أن أطفالَ المسلمين ليسوا كلابًا ولا حميرَ ولا أبقارَ ولا حيواناتٍ، فالشرعُ نهى عن السِبابِ بأسماءِ الحيواناتِ وألفاظ التحقيرِ وكلِ فُحشٍ مِن القَول؟
أما علمتِ أن للمسلمِ حُرمةً وأنها بذلكَ تنتهِكُها، وقد قال الله:
 {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} ،
وقال رسوله ﷺ: ” «كلُ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمُه، ومالُه، وعِرضُه» “؟
وأحيانا نجد أمهات يشتمن من باب المزاح. كأن تقول لابنها مثلا: رأيتَ الحِمارَ الذي يقودُ تلكَ السيارة؟!.. رأيتَ البهائمَ التي تذِيعُ النشرة؟

==ألم تعلمي أن اليهودَ تطاولوا على النبيِ ﷺ في الكلامِ وقالُوا “السَّامُ عليكَ” بدلًا من “السلامُ عليك” -(والسام تعني الموت، فيَظهر كلامُهم وكأنما سقطَتْ منهم اللامُ من السرعةِ فقط، بينما هم لخبثِهم يقصدون المواربةَ بالدعاءِ عليهِ والاستهزاءَ به ﷺ..
ألم تعلمي أنهم فعلوا ذلك ولم يَرُدَّ عليهم بفُحشٍ مُقابِل، واكتفَى برَدِّ الدعاءِ عليهم بالمِثلِ فأدَّبَهم بشرفٍ ومروءةٍ ﷺ فقال “وعليكم”.. فقط..
ولم ينتهوا…
كرروها.. فغضبتْ عائشةُ وأجابتْهم: “بل السامُ عليكم وغَضَبُ اللهِ!، إخوانَ القرَدَةِ والخنازِير!، أتُحَيُّونَ رسولَ اللهِ ﷺ بما لم يُحَيِّهِ به اللهُ!؟”
فنهاها ﷺ ووصفَ ما فعلَتْه بأنَّهُ فُحشٌ مِن القول!
مع أن مِن حقِ المُسلمِ أن يَرُدَّ السِبابَ بالمِثلِ لو تَعَجَّلَ تحصيلَ حقِهِ في الدنيا قبل الآخرة، لكن دون تجاوزٍ للحدِ أو الضوابطِ الشرعيةِ…
ومع ذلك، لم يرضَ ﷺ بذلك لنفسه..
قال لها:
“مَه..! إن اللهَ لا يُحِبُّ الفُحشَ ولا التفحشَ.. قالوا قولًا فرددناهُ عليهم.. فلمْ يَضُرُّنا شيءٌ، ولَزمَهُم إلَى يومِ القيامة”…

فتأملي كيف أن السِبابَ واللعنَ بأسماءِ الحيواناتِ ولو كان دِفاعًا عنه ﷺ ضدَ أعداءِ اللهِ اليهودِ، فُحشٌ فِي القول لا يحبه ﷺ..!
ثم نأتي نحن فنشتمُ أبناءَنا ليلَ نهارَ دون عذرٍ شرعيٍ مقبولٍ، أو نشتم مزاحًا، ونراه أمرًا عادِيا، ولا نرى له وَزنًا لا في يومَ الحسابِ ولا في الدنيا في نفسيتِهم وسلوكهم ومسارِ حياتِهم…؟

=وموقفٌ نبويٌ آخرُ حينَ دخلَ عليه ﷺ رجلٌ معروفٌ بفُحشِ قولِه، فلم يستقبلْهُ النبيُ ﷺ بفُحشٍ مِن القولِ ابتداءً، إنما ألانَ له الكلامَ.. مع أن الرجلَ لا يستحقُ الكلامَ اللينَ، بل قد قال عنه ﷺ قبل أن يأذنَ له في الدخول: “بئسَ أخو العشيرة!”.. وقال عنه بعد خروجِهِ مِن عِندِه: “إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ -أوْ ودَعَهُ النَّاسُ- اتِّقَاءَ فُحْشِهِ.. وفي رواية: اتِّقَاءَ شَرِّهِ”..
فتعجبتْ عائشةُ! فسألتْه، فقالَ لها ﷺ كلمة تُكتَبُ بماءِ الذهبِ:
“يا عائشةُ! متى عهدتِني فَحَّاشًا؟”…
أيْ: متى علمْتِ عنِي أني سأقابلُ فُحشَهُ المعروفُ بِه، بفُحشٍ في القولِ مقابِلٍ؟

=فالنبيُ ﷺ يعلمُنا أن الفُحشَ والبذاءةَ والسِبابَ من مسلمٍ لمسلٍم كله مذمومٌ وليس من أخلاق المسلمين، لا ابتداءً ولا تعقيبًا..
=بل ويعملنا حتى أن نتفادَى سماعَ فُحشِ الفحَّاشين ونقطعَ عليه طريقَ الانطلاق، بالمدارةِ في الكلامِ دونَ مُداهنَةٍ في دينِ الله، إغلاقًا لحِمَمِهِم البركانيةِ القبيحةِ كيلا تتأججَ وتُسممَ الآذانَ والأبدانَ..
فيعملُنا ﷺ كيف نتجنَبُ القبائحَ بألسنتِنا، وآذانِنا كذلك..!
ثم نأتِي نحن ونَقرَعُ آذانَ أبنائِنا ليلَ ليلَ نهارَ بالسِبابِ والنَبْزِ دونَ أيةِ غضاضة؟
—-

وكما رأينا، الكلامُ هنا يتقاربُ مع كلامِنا حولَ الدعاءِ على أبنائِنا في المقالاتِ السابقة، من حيثُ النهيِ عنهما وأن الإكثارِ من كليهما يَنسِفُ شعورَ الأبناءِ بالأمان..
لكن “السَبُ” يتمايزُ عن “الدعاءِ عليهم”، بفوارقَ مُخيفةٌ، فهو ليس فقط ساحِقٌ للأمانِ النفسِيِّ والترابطِ الأسريِّ بقسوةٍ لما فيه مِن إهانةٍ وتحقيرٍ يجلبانِ شعورًا بالدونيةِ ويورِثانِ نَدَباتٍ نفسيةٍ عميقةِ الأثَرِ في شخصيتِهم وسلوكِهم، إنما كذلكَ يلحَقُ فاعلَه مِن الإثمِ والمَذَمَّاتِ ما يُشَيِّبُ..

ولكي ندركَ خطورةَ الأمرِ، نبدأُ أولًا بتعريفِه..
ففي الحديث: “ليس المؤمنُ بالطعانِ ولا اللعانِ ولا الفاحش ولا البذيء..”

فما الفرقُ بين اللَّعّانِ والطعَانِ والسبَّابِ والفاحِشِ والبَذِيء؟
الطعَانُ هو الَّذي يَقَعُ في النَّاسِ ويَعيبُهم في أعْراضِهم ويَغتابُهم..
اللعانُ هو الذِي يُكثِرَ لعْنَ النَّاسِ وسَبَّهم والدُّعاءَ عليهم بالطَّرْدِ مِن رحْمةِ اللهِ..
والسبُّ هو الشتمُ والإهانةُ بكلامٍ جارحٍ..
والفاحشُ هو الشتامُ للناسِ، المتجاوزُ للحدِّ في السبِّ بمبالغةٍ وشناعَةٍ وقُبحٍ عظيمٍ..
والبَذِيءُ هو الذي كلامُه قبيحٌ وفاحِشٌ وإن كان صِدقا.. يُعبرُ عن الأمورِ المُستَقبَحَةِ بالعباراتِ الصريحةِ.. يتلفَّظُ بالكلامِ الذي يَقبُحُ ذِكرُه ويُستحيَى منه..*1

هي إذًا ألفاظٌ ذاتُ معانٍ متقاربةٍ تشملُ السوءَ في القولِ أو الفِعل..

فكيف حَذَّرَ الإسلامُ منها؟ وما عواقبُها التي تُشَيِّبُ…؟

-قال تعالى: {ولا تنابزوا بالألقابِ بئسَ الاسمُ الفسوقُ بعد الإيمان} 
-وقال النبي ﷺ: سباب المسلم ((فسوق))..
والفسوق: هو الخروجُ عن طاعةِ الله ورسولِه ﷺ، وهو في عُرفِ الشرعِ ((أشدُّ)) من مجرد العصيان، كما في شرحِ الحديثِ في الدُرَرِ السَّنِية*4
 
-والسِبابُ من الأعمالِ التي تؤدي إلى إفلاسِ العبدِ يومَ القيامة؛ فقد قال النبيُ ﷺ:
“أتدرون ما المُفلِسُ؟ قالوا: المفلسُ فينا من لا دِرهمَ له ولا مَتاع، فقال: إن المُفلِسَ من أُمتي يأتي يوم القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتِي قد شتَم هذا، وقَذفَ هذا، وأكل مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيُعطَى هذا من حسناتِه، وهذا مِن حسناتِه، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يُقضَى ما عليه، أُخِذَ مِن خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار))..
فمن أسباب الإفلاسِ “الشتمُ”*2

-وقال عبدُ الله بن مسعود: (ألأَمُ خُلُقِ المؤمنِ الفُحشُ)
-ورأى أبو الدرداءِ امرأةً سليطةَ اللسانِ، فقال: لو كانت خرساءَ، كان خيرًا لها…
-وفي الشرعِ، فإن تشبيهَ المسلمِ لأخيهِ بالكلبِ والحمارِ يستحقُ به المرءُ التأديبَ والتعزيرَ عند الجمهورِ: المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ ومتأخرِي الحنفية*3..
– فكيف بمن جمعّ كثرةَ السبِ مع الدعاءِ على الناسِ ليلَ نهار….؟
ومعنى اللعنُ كما ذكرنا في التعريفات: السبُ والدعاءُ بسوءٍ على الآخرين، ويُطلَقُ أحيانًا على الدعاءِ عليهم فقط أو السب والشتم فقط..
فإن الإكثارَ منه يورِثُ الإثمَ والنارَ، كما قال ﷺ في حديثِ النساءِ من أنهن أكثرُ أهلِ النار، فلما سُئِلَ لماذا، قال ﷺ: “تُكثِرنَ اللعنَ وتكفُرنَ العشيرَ”؟…
ولا شك أن كثرةَ اللعنِ تكونُ بسببِ التغافلِ عن جوانبِ الخيرِ في الشخصِ الذي نشكو منه، مما يورثُ كفرانَ نِعَمِهِ وفضلِه وبالتالي كثرةَ لعنِه..
-لذلك قال ﷺ أن اللعانين لا يكونون شهداءَ ولا شفعاءَ يومَ القيامة، لأننا لو تأملنا لوجدنا أن اللعانينَ انفعاليون، يَميلُون مع انفعالاتِهم حيثُ دارَت، فيُخِلُّونَ بالعدلِ والإنصافِ حتمًا، فيكف يشهدون يوم القيامة بالحق أو يشفعون بالرحمة..؟
وقال كذلك: (لا ينبغي لصدِّيقٍ أن يكونَ لعَّانًا)..
ففي هذه الأحاديثِ يجعلً النبيُّ ﷺ اللعنَ يتنافَى مَعَ مقامِ النبوةِ ورُتبةِ الشهادةِ والصدِّيقِيَّةِ..
فلماذا يَصعُبُ على هؤلاءِ الامتناعُ عن كل ذلك رغم عدم جهلهم بعواقبه في الدنيا والآخرة؟ وما العلاجُ…؟
هذا ما سنعرِفُه في المقالةِ القادمةِ بإذنِ الله..

**هوامش:

الدرر السنية..

النهي عن السب والشتم…

مذاهب العلماء فيمن قال لمسلم أو غير مسلم أو لظالم يا كلب يا حمار…

Exit mobile version